مانسمعه من تصريحات نارية لانتصارات حمساوية في غزة، وبطولات استعراضية يتحفنا بها خالد مشعل واسماعيل هنية من فنادق الدوحة، جعلت البعض منا يشعر بأن تحرير الأراضي الفلسطينية وحلم الصلاة في المسجد الأقصى بات على مسافة أيام، خاصة أن هذه التصريحات تساندها قنوات إعلامية ( معروفة توجهاتها) تمتدحها وتبجل مصدريها سعيا لكسب جماهيرية زائفة على حساب قضية العرب الأولى.
أما الحقيقة فهي مرة وعلى عكس ذلك تماما ، حيث اثبتت لنا بعض شاشات الإعلام النزيه، وبعض من شهادات أهل غزة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن كل مانسمعه من انتصارات كلامية لهؤلاء القادة ماهي إلا فقاعات إعلامية لا وجود لها على أرض الواقع، وأنه تم سحق غزة بالكامل تقريبا واصبحت عودتها لما قبل السابع من اكتوبر تحتاج عشرات السنين، هذا إن عادت.
ناهيك عن دماء الأطفال والشيوخ والنساء التي أريقت على شوارعها والتي ستبقى في رقبة خالد مشعل واسماعيل هنية إلى يوم يبعثون، مضافا إليهم من سار في ركبهم من الإخوان والحوثيين وغيرهم من الذين جعلتهم إيران مطايا لها على حساب الدم العربي المسلم.
ماسبق قراءة للمشهد في الداخل الفلسطيني.
أما في الخارج ولقراءة المشهد بصورة واقعية يجب التمييز بكل شفافية بين فريقين:
الأول : هو ذلك الفريق الذي يتاجر بالدم الفلسطيني عبر البيانات والمؤتمرات الإعلامية الكاذبة، وهم في نظري أخطر على القضية الفلسطينية من الصهاينة أنفسهم.
فمثلا نرى دولة تصدر بيانات ملتهبة ضد ماتسميه العدو الإسرائيلي وفي نفس الوقت تقيم معه أكبر تبادل تجاري بين دولتين في المنطقة، والأدهى من ذلك تلك المناورات والتدريبات العسكرية بينهما بعد الحادث الشهير للسفينة مرمرة.
ودولة أخرى تتشدق بفيلق القدس ويوم القدس العالمي وهي لم تطلق يوما رصاصة واحدة تجاه إسرائيل، بل أن رصاصها اتجه للمخيمات الفلسطينية في سوريا ولبنان عبر ميليشياتها هناك، مع سعيها المستمر إلى تفريق الصف الفلسطيني عبر دعم فريق على حساب فريق آخر.
ودولة ثالثة أسست لأكبر انقسام بين أفراد الشعب الفلسطيني عبر تبنيها لحماس كواجهة لفلسطين بديلا للسلطة الفلسطينية الشرعية.
باختصار : هذا الفريق حرفيا يستخدم غزة وقودا لأهدافه السياسية دون أي اعتبارات إنسانية أو أخلاقية.
أما الفريق الثاني فتمثله تلك الدولة التي لم تثنيها المغامرات الغير محسوبة لقادة حماس – رغم تكرارها – عن القيام بدورها الإسلامي والعروبي تجاه القضية الفلسطينية.
إنها المملكة العربية السعودية، الدولة الوحيدة التي بقيت عبر التاريخ ثابتة في مواقفها منذ تأسيسيها على يد المغفور له الملك عبدالعزيز رحمه الله وحتى الآن ، وهو الموقف الأقوى عربيا وعالميا في وجه إسرائيل ، ظل ومازال يعمل وفق مباديء راسخة بعيدا عن المزايدات والضجيج الإعلامي.
وفي هذه الأزمة تحديدا سجل سمو ولي العهد مواقف عدة كانت محل التقدير من جانب الشعب الفلسطيني خاصة، حيث أوضح لقادة العالم وقوف المملكة معهم حتى ينالون حقوقهم كاملة، غير آبه بردود بعض الأطراف، وفي رسالة واضحة ألقى خطابه الشهير من مكتب الملك فيصل في الاجتماع الافتراضي لقادة «بريكس» مطالبا جميع دول العالم بوقف تصدير الأسلحة إلى إسرائيل.
وكان قبلها قد رأس القمة العربية الإسلامية في الرياض والذي أكد من خلالها رفض المملكة القاطع لاستمرار العدوان والاحتلال والتهجير القسري لسكان غزة، وتحميل سلطات الاحتلال مسؤولية الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني.
ناهيك عن تقديم أكثر من نصف مليار ريال كمساعدات إنسانية وإغاثية لأهالي غزة، وغير ذلك الكثير مما تضيق به مساحة مقال.
وختاما أقول : إن تفرد جهة أو منظمة( لا تمثل سلطة الدولة الشرعية) بقرار يؤدي للتضحية والعبث بأرواح الآلاف من البشر أغلبهم من النساء والأطفال ما هو إلا سفه ومراهقة سياسية تستحق وقفة من جامعة الدول العربية تتضمن محاسبة صارمة.
بقلم / نايف بن سعيد العطوي
عضو الجمعية السعودية للعلوم السياسية

